الشوكاني
440
فتح القدير
الخط حرفا حرفا ، والمعنى : أنه كرر الدك عليها حتى صارت هباء منبثا ( وجاء ربك ) أي جاء أمره وقضاؤه ، وظهرت آياته ، وقيل المعنى : أنها زالت الشبه في ذلك اليوم وظهرت المعارف وصارت ضرورية كما يزول الشك عند مجئ الشئ الذي كان يشك فيه ، وقيل جاء قهر ربك وسلطانه وانفراده بالأمر والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئا من ذلك ( والملك صفا صفا ) انتصاب صفا صفا على الحال : أي مصطفين ، أو ذوي صفوف . قال عطاء : يريد صفوف الملائكة ، وأهل كل سماه صف على حدة . قال الضحاك : أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين بالأرض ومن فيها ، فيكونون سبعة صفوف ( وجئ يومئذ بجهنم ) يومئذ منصوب بجئ ، والقائم مقام الفاعل بجهنم ، وجوز مكي أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل ، وليس بذاك . قال الواحدي : قال جماعة من المفسرين : جئ بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش ، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول يا رب نفسي نفسي . وسيأتي الذي هذا نقله عن جماعة المفسرين مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن شاء الله ( يومئذ يتذكر الإنسان ) يومئذ هذا بدل من يومئذ الذي قبله : أي يوم جئ بجهنم يتذكر الإنسان : أي يتعظ ويذكر ما فرط منه ويندم على ما قدمه في الدنيا من الكفر والمعاصي . وقيل إن قوله " يومئذ " الثاني بدل من قوله " إذا دكت " والعامل فيهما هو قوله " يتذكر الإنسان " ( وأني له الذكرى ) أي ومن أين له التذكر والاتعاظ ، وقيل هو على حذف مضاف : أي ومن أين له منفعة الذكرى . قال الزجاج : يظهر التوبة ومن أين له التوبة ؟ ( يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : ماذا يقول الإنسان ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من قوله : يتذكر ، والمعنى : يتمنى أنه قدم الخير والعمل الصالح ، واللام في لحياتي بمعنى لأجل حياتي ، والمراد حياة الآخرة ، فإنها الحياة بالحقيقة ، لأنها دائمة غير منقطعة . وقيل إن اللام بمعنى في ، والمراد حياة الدنيا : أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها هذا اليوم ، والأول أولى . قال الحسن : علم والله أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ) أي يوم يكون زمان ما ذكر من الأحوال لا يعذب كعذاب الله أحد ( ولا يوثق ) ك ( وثاقه أحد ) أو لا يتولى عذاب الله ووثاقة أحد سواه إذ الأمر كله له ، والضميران على التقديرين في عذابه ووثاقة لله عز وجل ، وهذا على قراءة الجمهور يعذب ويوثق مبنيين للفاعل . وقرأ الكسائي على البناء للمفعول فيهما ، فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان : أي لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد ولا يوثق كوثاقه أحد ، والمراد بالإنسان الكافر : أي لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر ، وقيل إبليس ، وقيل المراد به أبي بن خلف . قال الفراء : المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد ، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد لتناهيه في الكفر والعناد . وقيل المعنى : أنه لا يعذب مكانه أحد ولا يوثق مكانه أحد ، فلا تؤخذ منه فدية ، وهو كقوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - والعذاب بمعنى التعذيب ، والوثاق بمعنى التوثيق ، واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الكسائي ، قال : وتكون الهاء في الموضعين ضمير الكافر ، لأنه معروف أنه لا يعذب أحد كعذاب الله . قال أبو علي الفارسي : يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة : أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر . ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال ( يا أيتها النفس المطمئنة ) المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله ، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب . قال الحسن : هي المؤمنة الموقنة . وقال مجاهد : الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها ، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها .